ينطلق البرنامج البحثي؛ «تجارب ميدانية: مسارات البحث الأنثروبولوجي والسوسيولوجي بالمغارب» من خلال التعريف بهذين الحقلين عبر تجربة العمل الميداني. تتجسد أهمية هذا المنظور في التعرف على الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا من خلال استكشاف المسارات العلمية للباحثين والباحثات عبر محك هذه المرحلة الأساسية من تكوينهم وتجاربهم البحثية بصفة عامة. تنطوي هذه الأهمية على استيعاب المظاهر الأكثر تنوعا وتعقيدا للتجربة الميدانية.

ضمن برنامجها البحثي تجارب ميدانية: مسارات البحث الأنثروبولوجي والسوسيولوجي بالمغارب، نظمت مؤسسة Meta-index للأبحاث الاستطلاعية محاضرة ألقاها الباحث الأنثروبولوجي عبد الودود ولد الشيخ محاضرة حول تجربته الميدانية. وقد أدار اللقاء الباحث الأنثروبولوجي د.رحال بوبريك.

من أجل متابعة التسجيل الكامل للمحاضرة تجدون أسفله رابط مباشرا للاطلاع عليها

Le Maroc est caractérisé par un système foncier complexe où les terres collectives occupent une place importante. S’étalant sur une superficie de 15 millions d’hectares, ces terres sont considérées comme un réservoir foncier qui fait l’objet de cessions multiples au profit des politiques agricoles et d’investisseurs privés. A l’issue de chaque opération de cession, seuls les ayants droits masculins profitent des indemnisations sous prétexte que la coutume en a toujours voulue ainsi. Cette situation a provoqué un sentiment d’injustice chez les membres féminins des collectivités ethniques, qui se sont organisées, à partir de 2007, en mouvement portant le nom de « Mouvement des Soulalyates » et ont mobilisé des registres juridiques se référant à la coutume, la loi musulmane et la loi positive moderne pour légitimer leurs revendications. Après de longues années de contestations, une loi fut promulguée en 2019 consacrant les femmes Soulaliyates en tant qu’ayants droit au même titre que les hommes. Cette proposition de recherche se veut une contribution à l’étude de l’évolution du mouvement des Soulaliyates dans le terrain particulier du Gharb (Maroc), où sont nées les premières contestations, en inscrivant cette analyse dans le cadre des dernières réformes apportées par la récente loi de 2019 sur les terres collectives, et la campagne nationale de melkisation des terres collectives dans les périmètres irrigués au Maroc, et en apportant des éclairages sur l’applicabilité de ces réformes sur le terrain. Notre recherche privilégiera une méthode de travail empirico-inductive construite sur la base d’un aller-retour entre terrain et théorie

Réalisé par

   Hind Ftouhi est docteure en sociologie rurale de l’Institut Agronomique et Vétérinaire Hassan II (2021) est ingénieur agronome de l’Ecole Nationale de l’Agriculture de Meknès (2014). Elle est actuellement chercheuse post doctorat à l’Institut Agro Rennes-Anger. Ses recherches portent sur les rôles des jeunes ruraux dans les processus des changements agraires et territoriaux. Elle mène également des recherches autour des ressources naturelles dans une perspective de genre. Parmi ses publications récentes :
Bossenbroek Lisa, Ftouhi Hind, Kadiri Zakaria and Kuper Marcel. 2023. Watermelons in the desert in Morocco: 4 Struggles around a groundwater commons-in-the-making. Water Alternatives 16(1) : 87-107

تشكل مسألة التربية والتعليم قضية مصيرية بالنسبة لكل بلد؛ فأنْ تفكر وتبحث في التربية والتعليم معناه أنْ تضع مخططات مستقبلية للأجيال القادمة، وأنْ تؤسّس لتصورات شمولية تَرْهن مصير المجتمع بأكمله. وهذا النوع من الوعي الذي الذي سبق وعبّر عنه نظريا، وفي وقت مبكر، عدد من علماء الاجتماع كما هو الحال مع إيميل دوركايم وجون كلود باسرون وماكس فيبر وغيرهم، هو نفسه الذي يترجمه اليوم المنشغلون بقضايا المجتمع أو المشتغلون عليها، على اختلاف مواقعهم، سواء كانوا من السَّاسة، وصانعي القرار، أو كانوا من الباحثين الأكاديميين والخبراء والمنظّرِين. ولئن كانت اللّجنة المسؤولة عن صياغة النموذج التنموي الجديد بالمغرب قد جمعت بين هؤلاء الأطراف ضمن فريقٍ واحد لأجل التفكير والبحث في واقع المجتمع المغربي وتشخيص مشكلاته واقتراح رؤية أو تصور شمولي يسمح بمعالجة تلك المشكلات في أفق بناء مستقبل أفضل للبلاد؛ فإنها في تقريرها انتهت إلى التأكيد على الفكرة المشار إليها أعلاه. إذ أنّ الخيار الأول الذي يطرحه النموذج التنموي الجديد لأجل تفعيل رؤيته الإصلاحية المنشودة هو إصلاح منظومة التربية والتكوين، والتي يضعها كأولوية الأولويات. ويشكل الارتقاء بمهنة المدرس واحدا من بين الإجراءات التي يقترحها لتحقيق ذلك؛ وهو الأمر الذي سبق وشدَّدَت عليه الروية الاستراتيجية 2015-2030 التي أكدت بدورها على أنّ تجديــد مهــن التدريــس والتكويــن هو أسـبقية أُولى لأجل الرّفـع مـن الجـودة داخل المنظومة التعليمية.

إنّ الأسئلة التي تُطرح في هذا السياق هي: إذا كان الفاعل التربوي يشكل الحلقة المفصلية داخل المنظومة التربوية باعتباره المسؤول المباشر عن أجرأة الرؤى الإصلاحية التي تصوغها الوزارة الوصية على قطاع التربية والتعليم، فكيف يُقيّم ذلك الفاعل التربوي السياسة التعليمية بالمغرب، وكيف يتمثل سؤال الإصلاح؟ وإنْ كان تقيّيمه لكليْهما قد يتّخذ منحى سلبيا يعكس نوعا من عدم الرضى، فما هي البدائل التي يقترحها في هذا الإطار لأجل بناء خطة إصلاحية تتلاءم وخصوصية المنظومة التعليمية بالمغرب وطبيعة الإشكالات والإكراهات التي تكشف عنها؟

يستهدف هذا المشروع مقاربة سؤال إصلاح المنظومة التعليمية-التربوية المغربية من وجهة نظر الفاعلين التربويين ومن منظور خبراتهم وتجاربهم المهنية. ذلك أنّ استقراءنا للواقع الإمبريقي من خلال الملاحظة بالمشاركة الممتدة زمنيا، والقائمة على الانغماس في الوسط المهني، جعلتنا نعاين باستمرار حجم الانتقادات التي يوجهها أطر هيئة التدريس والتكوين لمختلف البرامج الإصلاحية التي همّت المنظومة التعليمية بالمغرب منذ بداية العقد الأول من هذا القرن، أيْ مع بداية الإنخراط في أجرأة المحاور الكبرى لميثاق التربية والتكوين. لذا فإنّنا نتوخّى من هذا المشروع الانفتاح على تلك التجارب والمسارات المهنية قصد معرفة الكيفية التي يشخّص بها الفاعلون التربويون واقعهم المهني داخل المؤسسات التعليمية، سواء من خلال تقييمهم لنوعية المشاريع الإصلاحية التي تبنّتهها الوزارة لحد الآن بهذا الخصوص، ومدى ملاءمتها للواقع التعليمي المغربي، وكذا المناهج والبرامح الدراسية التي توظَّف كأدوات لأجل أجرأة السياسات التعليمية، والطرائق والاستراتيجيات المستخدمة لأجل تصريف مدْخلات النظام التعلمي؛ وطبيعة العلاقة القائمة أو المفترضَة بين المؤسسة التعليمية وباقي المؤسسات الاجتماعية الأخرى التي تتدخل في العملية التربوية في بعدها الشمولي، وعلى رأسها الأسرة، هذا بالإضافة إلى القنوات الحديثة التي أصبحت تشكل وسائط جديدة تتدخل في سيرورة التربية والتعليم والمتمثلة في التكنولوجيا الرقمية بمختلف منصّاتها الإلكترونية والمحتويات التي تمرّرها والتي تشكل موضوع استهلاك من طرف المنخرطين في شبكات الإنترنيت، سواء عبر اعتمادها كوسائط في التدريس وهو ما يطرح سؤال الفعالية والجدوى، أو عبر التأمل في دورها كوسيط متدخل في الفعل التربوي وهو ما يطرح سؤال التحولات القيمية داخل المجتمع.

يقوم هذا المشروع البحثي على تبني مقاربة منهجية متعددة المداخل على مستوى المناهج والتقنيات الموظّفة، وذلك عبر استثمار المعطيات التي يكشف عنها الواقع التجريبي-المادي، ثم المعطيات الرقمية التي التي تتيحها الأرشيفات المفتوحة داخل المنصات الإلكترونية العمومية، وذلك تبعا لنوعية الأسئلة الإشكالية التي يطرحها الموضوع، والمداخل الممكنة لمعالجته.

 

مديرة المشروع:

قاوقو محجوبة: أستاذة باحثة في علم الاجتماع بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين-القنيطرة، وباحثة زميلة بالمجلس العربي للعلوم الاجتماعية (برنامج الزملاء الناشئين- 2021-2022). حاصلة على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة محمد الخامس بالرباط، وعلى شهادة التبريز في الفلسفة من المدرسة العليا للأساتذة- جامعة مولاي اسماعيل بمكناس. تتركز اهتماماتها البحثية بشكل أساس حول سوسيولوجيا الأديان والتعبيرات الدينية الرقمية وسوسيولوجيا شبكات التواصل الاجتماعي، كما تشتغل على عدة قضايا أخرى من قبيل: الإسلام السياسي، التطرف، مناهج البحث الرقمية، الجندر، وقضايا التربية والتعليم. نشرت عدة مقالات علمية محكمة بهذا الشأن، تتناول عددا من الموضوعات والإشكالات الإبستمولوجية والمنهجية المرتبطة بسوسيولوجيا الفضاء الرقمي وسوسيولوجيا الأديان. كما شاركت في عدة مشاريع، منجزة من طرف وازرة التربية الوطنية وجامعة الأخوين والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID، ارتباطا بمجال التربية والتكوين والرقميات.

إن مقاربة سيرورة تشكيل الوعي السياسي للأفراد عن طريق وسائل الاتصال، تقتضي منهجيا تحليل العلاقة بين حقلين تجمعهما روابط متعددة ومتنامية، وهما حقلي السياسة والإعلام، بالإضافة إلى تداخل تخصصاتهما، بحيث يكاد حقل الاتصال والإعلام أن يصبح مكونا من ضمن مكونات السياق السياسي. لأن حدود الاتصال غير محددة، ولأن هذا الأخير يمتح من حقول أخرى أو علوم جد متنوعة، من قبيل السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا كمواقع تحليل متعددة، يتوجب على الباحث(ة) إقحامها في تساؤلاته وهو يواجه قضايا تخترقها تيارات منهجية تصل إلى تعدد التخصصات. في هذا الإطار، تأتي عملية “تشكيل الوعي السياسي” عن طريق الاتصال والإعلام كجزء لا يتجزأ من هذه العلاقة وتشعباتها، والذي يتطلب تفكيكها من خلال ملاحظة التواجد الفعلي للوسيلة الإعلامية في الساحة السياسية، ومدى قدرتها للوصول إلى أكبر عدد من الأفراد، وكذا مدى اعتماد هؤلاء الأفراد على تلك الوسيلة الإعلامية لاستقاء معلوماتهم السياسية من جهة. ومن تم حجم الثقة التي يحملونها حيال تلك الوسيلة، ومدى ملاءمة الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية لخلق مناخ يساهم في إذكاء وعي سياسي من جهة أخرى، لأن وسائل الإعلام لا تشتغل بمعزل عن باقي مكونات المجتمع، بل هي جزء من النسق أو البنية الشمولية للدولة كما تصفها ” السوسيولوجية الوظيفية”، وبالتالي هي دائما بحاجة إلى تظافر الجهود لتأدية وظائفها داخل المجتمع.

تشير مجموعة من الدراسات، على سبيل المثال، الأطروحات التي قدمها كل من السوسيولوجيين (Kurt Lang& Gladys Lang) على أن هناك ترابط بين شبكات الأخبار وتوسع العزوف عن المشاركة السياسة، وكذلك يؤكدان على أن تغطية الأحداث يمكن أن تزيد من حدة العناصر المتضاربة للعملية السياسية والتي تغذي بدورها السخرية العامة لدى الأفراد… فبناء على هذا المعطى النظري المقتضب؛ ينطلق هذا المشروع البحثي من مجموعة من الملاحظات السوسيولوجية “القبلية” للأدوار التي سبق و أدتها وسائل الاتصال الحديثة في عملية إذكاء وعي الأفراد وتوسيع آفاقهم اتجاه تحولات الوضع السياسي في المغرب، وذلك في محطات مهمة من تاريخ المغرب لعل آخرها ( انتخابات 2021، وقبلها الديناميات الاحتجاجية التي شهدها المغرب منذ بداية سنة 2011 وصولا إلى التعبيرات الاحتجاجية الرقمية التي تعتمد على الهاشتاغ…إلخ)، خاصة في ظل ظهور فاعلين جدد ” كالصحافي المواطن” و تشكل فضاء عام أرحب ألا وهو ” الشبكة الإلكترونية” التي شكلت مصادر لإذكاء ” وعي سياسي” للأفراد بمختلف خصائصهم السوسيو-ديمغرافية من خلال تدفق الأفكار ووجهات النظر، إضافة إلى حرية الاستخدام والتي استفاد منها خاصة الشباب للتعبير عن احتياجاته، والتي حولته إلى قوة ناشطة في مجالات عديدة أهمها الحقل السياسي.

ارتباطا بهذا الرصد، سيعتمد هذا المشروع البحثي على مقاربة كيفية تسعى إلى فهم الفعل الاتصالي، وذلك ليس اعتمادا على التصورات الجاهزة، بل انطلاقا من البحث عن التمثلات، والمواقف، التي يمنحها الأفراد لهذه الأفعال الإعلامية، وعن الآليات التي طورتها هذه الوسائل الحديثة للمساهمة في تشكيل وعيهم السياسي، أي الكشف عن تلك الحالة التي يتمثل فيها الأفراد قضايا الحياة السياسية بأبعادها المختلفة، ويتخذون منها موقفا معرفيا ووجدانيا في آن واحد. وكذلك محاولة قياس مستويات تفاعل الأفراد وقراءتهم واستيعابهم لكل ما تقدمه هذه الوسائل من معلومات وتحليلات سياسية، لا على المستوى الوطني أو الدولي، وكيف تساهم أو لا في تشكيل قيمهم، اتجاهاتهم ومبادئهم السياسية اتجاه القضايا الراهنة وخلفياتها ومحدداتها، وهل عملية تشكيل الوعي هاته، تدفع الفرد إلى المشاركة الفعالة في أوضاع مجتمعه وتحديد موقفه منها، وصولا إلى التحرك قصد تغييرها أو تطويرها.

 

مديرة المشروع: خديجة براضي.

خديجة براضي حاصلة على الدكتورة في علم الاجتماع. أستاذة باحثة في سوسيولوجيا الاتصال والإعلام بكلية اللغات  والآداب والفنون بالقنيطرة.  نشرت مجموعة من المقالات حول قضايا الاتصال السمعي البصري والحركات الاجتماعية في المغرب، انطلاقا من مقاربة سوسيولوجية. بالموازاة، اشتغلت على مشاريع وبحوث ميدانية، ودراسات سوسيولوجية وأنتروبولوجية مع مؤسسات متعددة. بالإضافة إلى خبرتها في مجال البحث الأكاديمي، عملت  الباحثة  في مجال الترافع والاستشارة مع منظمات المجتمع المدني الدولية والوطنية، ودرّست في جامعات مختلفة. تشتمل مجالات البحث والتدخل: سوسيولوجيا الإعلام السمعي البصري؛ سوسيولوجيا الاتصال؛ سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية؛ التحولات السوسيو-سياسية؛ النوع الاجتماعي؛ حقوق الإنسان؛ مناهج البحث الكمي والكيفي؛ تدبير المشاريع والتنشيط الثقافي.

يهتم هذا المشروع البحثي بمسألة المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء في سياق المجتمع المغربي. باعتبارها ظاهرة اجتماعية تعرف ديناميات مركبة نتيجة لتواتر منسوب الهجرة إلى المغرب لاسيما من أفريقيا جنوب وغرب الصحراء. ونهتم بصورة خاصة بالمهاجرين «في وضعية غير نظامية» بمدينة وجدة تحديدا. تجسد التجارب المعيشية والحركية الاجتماعية والمهنية وعدم المساواة (السكن والإقامة، العمل، الرعاية الصحية….) والشبكات الاجتماعية، عوامل حاسمة في تشكيل تجارب هؤلاء المهاجرين وخطاباتهم.

سننطلق أساسا من محاولة فهم أهمية الشبكات الاجتماعية (العلاقات الاجتماعية، علاقات الجوار، شبكات التضامن…) في تدبير التجارب الجماعية المشتركة والاستراتيجيات الفردية للهجرة، بدءا من مرحلة اتخاذ قرار الهجرة، مرورا برحلة العبور وصولا إلى استراتيجيات تدبير المعيش اليومي والوصول للفرص والموارد في مجتمع الإقامة أو العبور (نحرص على توظيف عبارة المؤقت والدائم نظرا لمجموعة من الاعتبارات التي ترتبط أساسا بقرارات المهاجرين بشكل عام، فهناك من يعتبر تواجده في المغرب مجرد حالة مؤقتة؛ وبالتالي تعتبر المغرب بلدا للعبور إلى الضفة الأخرى أي أوربا، بينما بالبعض الآخر اتخذت من هذا الأخير بلدا للاستقرار الدائم من خلال تبني مجموعة من الاستراتيجيات (محاولة الحصول على بطاقة الإقامة وتدبير السكن والعمل وقرار الإنجاب….).

يقودنا هذا التحليل إلى محاولة فهم هذه العناصر التحليلية من خلال مدخل إثنوغرافي متجسد في تحليل تجارب المعيش في مجتمعات الإقامة أو العبور. حيث تمثل تجارب المعيش، وخطاباته لدى هؤلاء المهاجرين مرآة إثنوغرافية كثيفة لفهم مدى إسهام العلاقات القرابية والشبكات الاجتماعية في تفاوض المهاجرين مع واقع المعيش اليومي واستراتيجيات مقاومة عدم المساواة والتدرج الاجتماعي والمهني.  فهل تمثل أشكال التضامنات الجماعية بين المهاجرين شكلا عابرا للأمم والأوطان بصرف النظر عن انتماءاتهم الوطنية أو الدينية أو الإثنية؟ وهل تندرج هذه العلاقات في إطار شكل من الانكفاء التضامني المنبثق عن وضعيتهم كمهاجرين يمثلون شريحة وفئة هامشية في البلد المضيف؟ ومن جهة ثانية، ومن منظور أكثر تركيزا، كيف ينسج المهاجرون تجاربم الخاصة؟ وما هي أشكال التضامنات التي يقيمها المهاجرون في سياق هذه التجارب؟. ومن جهة ثالثة، كيف تتأثر تجارب المعيش بوسوم الوصم والعنصرية؟

وبالنتيجة، فإن اختبار أهمية القرابة والشبكات الاجتماعية يرتبط بعناصر كثيرة من بينها: أولا: علاقة المهاجرين فيما بينهم وأشكال التضامنات البينية، إننا نعيد التساؤل حول محدودية ما يمكن اعتباره ب «إنتاج الغيتو والهويات المغلقة». بيد أننا نختار زاوية تحليلية أكثر ديناميّة لفهم إواليات هذه التوترات بين القرابي والاجتماعي خارج الثنائيات الجامدة. وثانيا: من خلال تحليل علاقة المهاجرين بمجتمعات الانتماء والتقاليد المحلية (البلدان الأصلية) واختبار مكانة هذه الروابط، لاسيما مؤسسة العائلة والقرابات المفترضة في إعادة إنتاج تجاربهن الخاصة في المجتمع المغربي.  ببنما نهتم في مستوى ثالث بعلاقة المهاجرين بمجتمعات المقصد (حالة المجتمع المغربي) من حيث تدبير المعيش في هذه المجتمعات ومواجهة التحديات اليومية من قبيل: صعوبات الحصول على عمل، وامتداد فترات العطالة في تعزيز «بؤس الهشاشة» لدى الهاجرين ، والدفع بهم إلى اختلاق بيئات للاندماج والتفاوض مع الواقع المعيشي اليومي، فضلا عن الإكراهات المرتبطة بالحصول على السكن وبناء العلاقات اليومية (الترفيه، والتسوق…).

بيد أننا سنخلص من خلال العمل الميداني والتوصيات المرتبطة بنتائج الدراسة إلى وضع إطار مفاهيمي تدخلي لسياسات الهجرة. وبعبارة أخرى، نعمل على فهم التقاطعات بين الهشاشة والحركية الاجتماعية والشبكات الاجتماعية من أجل توجيه السياسات وإنتاج قرارات مستنيرة، بما يعني ذلك، الانطلاق من تجارب ومنظورات المهاجرين لفهم أكثر دقة لهذه التقاطعات انطلاقا من تجارب المهاجرين أنفسهم. أي محاولة فهم العوامل الأساسية التي تحد من الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية اللازمة وفرص العمل لدى المهاجرين وبناء سياسات شمولية ومستدامة خارج الإطار التكنو اقتصادي المختزل.

يستند تصورنا المنهجي على مقاربة سوسيوأنثروبولوجية، تعالج ظاهرة الهجرة من أفريقيا جنوب الصحراء من زاوية اثنوغرافية سردية، إننا نعتمد بدرجة أولى على الملاحظة الاستكشافية باعتبارها تقنية أساسية في النفاذ إلى مجتمع البحث والوقوف عند عناصره وما يضمره الفاعلون من ممارسات غير معلنة، إضافة إلى المقابلة المعمقة (Srivastava, (2012: 54 (depth interview) وما تقدمه المرويات الشفهية (الذاكرة) من معطيات غنية حول تجربة الهجرة ورهانات المهاجرين. ونهتم بصورة خاصة بتحليل أشكال عدم المساواة التي تعرفها هذه الفئة في علاقتها المباشرة مع مجتمعات المنشأ والعبور والمقصد  سواء من حيث بناء تصورات خاصة حولها أو من حيث إنتاج علاقات اجتماعية ومهنية مع أفراد هذه المجتمعات، أو ما يخص تفاعلاتهن البينية أي بين المهاجرين أنفسهم في وضعية مماثلة (وضعية غير نظامية) وما تجسده هذه التفاعلات من أشكال التضامن الاجتماعي أو اللاتضامن اجتماعي، مما يعني أن هذا المشروع البحثي يلتقي بصورة جزئية مع مجموعة من الأعمال الأنثروبولوجية التي تتخذ نفسا تاريخيا واثنوغرافيا في تحليل هذه المسارات المترابطة، وهو ما سيمكننا من الاستفادة من التداخلات الحقلية بين السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا  والتاريخ.

كل ذلك عبر رؤية داخلية ((emic، تعتمد على سرديات المعيش لما يخبره ويتفاوض به المهاجرون في معيشهم اليومي أو ما يتعلق بالدوافع الهجرية أو كما تسميها كاتي غاردنر (Gardner Katy) مشاريع السعادة (Happiness projects). فالمرويات الشفهية، بالاستناد إلى الذاكرة الشخصية والجماعية، قد تساعدنا على فهم ما يطبع هذه التجارب المعيشة من أشكال عدم المساواة والنفاذ إلى استراتيجيات التفاوض مع اليومي.  مما يعني أننا نستند بصورة أساسية إلى الميدان للوقوف عند الدلالات التي يعطيها الفاعلون لوضعياتهم، باختلاف مستوياتها وأشكالها، ومحاولة تأويل تلك الأفعال ارتباطا بسياقات إنتاجها.

 

مدير المشروع: أناس ابن الشيخ.

أناس بن الشيخ: أستاذ باحث في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الأول وجدة، المغرب. حاصل على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة محمد الخامس بالرباط. عضو مختبر استراتيجيات صناعة الثقافة والاتصال والبحث السوسيولوجي بجامعة محمد الأول وجدة، وعضو مجلس الباحثين الشباب العرب التابع لمركز الشباب العربي أبو ظبي.  عضو في العديد من هيئات التحرير والتحكيم في مجلات العلمية المحكمة، ومستشار أكاديمي لدى مجموعة من المؤسسات الأكاديمية، أجرى ونسق وساهم فــي العديــد مــن الدراســات الميدانية والمشــاريع البحثيــة فــي مجــال العلــوم الإنسانية والاجتماعيــة من بينها مشروع: هشاشة المعيش والصحة لدى النساء المهاجرات من إفريقيا جنوب الصحراء بالمغرب، ممول من طرف المجلس العربي للعلوم الاجتماعية ببيروت، تدخل ضمن اهتماماته البحثية موضوعات الهجرة والشباب وأنثروبولوجيا القرابة والعائلة. نشرت له العديد من المؤلفات والدراسات والأوراق البحثية في دوريات علمية محكمة.  من بينها: بيير بونت أنثروبولوجيا مجتمعات غرب الصحراء (تنسيق بالاشتراك مع د. عبد الحميد فائز.) الغرب الصحراوي: المسار الأنثروبولوجي لبيير بونت (بالفرنسية: تنسيق بالاشتراك مع د. عبد الحميد فائز).

تمثل «التقنينات التقليدية» جزءًا أساسيا من التشريعات الجنائية وقوانين العقوبات في عدد من البلدان المغاربية بشمال إفريقيا. في موريتانيا، ميدان هذه الدراسة، تتجسد جرائم الشرف وعقوباته، والممارسات المرتبطة بتعويضات الدّم (الديّة كآلية تنتمي للعرف والدين في الوقت ذاته) وتطبيقات العقوبات الجنائية المستمدة من الفقه الإسلامي المالكي (حيث، يقسم قانون العقوبات الصادر بتاريخ 9 تموز/يوليو 1983 الممارسات الجنائية إلى: 1) جرائم التعزير. 2) جرائم الحدود. 3) جرائم القصاص)، بمثابة انعكاس للتعقيدات الاجتماعية والرمزية والقانونية المرتبطة بدراسة موقع التنوع المعياري (أي التداخلات والتقاطعات بين معايير القانون المدني، التقاليد المحلية، والتشريع الفقهي)  ومساءلة استمرار ديمومة «الممارسات التقليدية» في التشريع الجنائي المعاصر، وأيضا التحولات التي تشهدها التشريعات والممارسات المرتبطة به في موريتانيا.

تناولت الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا المعاصرة هذه القضايا الملحة ضمن حيز واسع من المجالات البحثية ضمن مفاهيم العدالة والمصالحة والعقاب في سياق المقارنة بين التشريعات القانونية المحلية والقوانين المعيارية، وتحليل سياسات المصالحة الوطنية والتعويض عن الأضرار في بلدان ما بعد الصراع أو الأزمات، وأيضا في تحليل الأساليب التقليدية المحلية أو الهجينة لبناء السلام وتسوية النزاعات وإدارتها في المجتمعات التي شهدت صراعات عنيفة.

نحاول في هذا المشروع البحثي أن نسلك مسلكا مغايرا إلى حد ما. حيث، نحاول وضع الخطابات إزاء القوانين وتطبيقاتها، في مركز التحليل الأنثروبولوجي بوصفها مفتاحا لفهم الديناميات الاجتماعية المعاصرة في موريتانيا، وليس التوقف ضمن حدود التطبيقات العملية لقوانين العقوبات. تقع هذه المناقشات في قلب المشهد السياسي والاجتماعي، حيث تطرح التشريعات الجنائية مناقشات تتعدى الإطار «القانوني والتشريعي» (حول مدى مشروعية «إدماج» أو «استبعاد» التقاليد المحلية والتشريعات الفقهية ضمن القوانين الجنائية والممارسات التشريعية في هذه البلد)  نحو إعادة التفكير بصورة مستمرة ودائمة  في الصلات المرجعية التي تشكل الهويّة المشتركة للمجتمع.

سننطلق في هذه الدراسة الميدانية من خلال تحليل إثنوغرافي للاستعمالات الرمزية والاجتماعية للمفاهيم المحلية بغرض فهم جذور المعرفة المحليّة  المتعلقة بموضوع دراستنا؛  وكيفية اشتغال مفاهيم العدالة والجريمة والعقاب على مستوى الخطاب والممارسة المحليتين. وفي الوقت ذاته، ومن خلال دراسة حالات محددة ستتوقف الدراسة على فهم المعاني والتفاعلات الانعكاسية المتعلقة بالإنصاف والعدالة والعقاب من جهة؛ والتعويض والمصالحة والصفح من جهة أخرى. تتجلى هذه الأهمية في فهم الاستراتيجيات العملية المتكيفة والدينامية التي تتبناها المؤسسات المحلية والفاعلون  (الفقهاء، المجموعات الاجتماعية، الدولة) للتفاعل مع التحولات المعاصرة. هذه التفاعلات لا تنفي تبني استراتيجيات متباينة وتعبئة مختلفة للمواقف بحسب الظروف المتغيرة.  وبمعنى آخر، سيعمل المشروع بدرجة ثانية على تحليل وتأويل خلفيات تباين هذه الاستراتيجيات وتداخلها على مستوى الخطاب والتمثلات والممارسة بين العدالة والعقاب (عقوبات الشّرف، «الرّدة»، الثأر القبلي، الحدود، العقوبات المدنيّة… ) والتعويض (جبر الضرر، الصّفح، الديّة، ) والوساطة والمصالحة، من منظور المجموعات الاجتماعية (القبائل، الفئات الاجتماعية) والدولة والفقهاء.

تركز هذه الدراسة على أسئلة جوهرية من قبيل: كيف تتجسد مفاهيم العدالة والإنصاف والتعويض والعقاب في التشريع الجنائي الموريتاني؛ وفي الطريقة التي يُدرك ويصوغ بها «القبليّون» و «النخب السياسية»  والفاعلون المدنيون المحليون خطاباتهم؟  كيف تُفاوض التنظيمات السياسية عن «إدماج» أو «استبعاد» التقاليد المحليّة ضمن التشريعات والممارسات القضائية؟ وما هي الاستراتيجيات التي يتبناها «الرجال القبليون»  و«الفاعلون الدينيون» والمؤسسات الرسمية إزاء التشريعات الجنائية المتعلقة بالعنف  والجريمة؟   كيف تتجلى، على مستوى الخطاب والتمثلات والممارسة، الروابط بين العدالة القبلية والعقاب (عقوبات الشّرف، «الرّدة»، الديّة، الثأر، الحدود، العقوبات المدنيّة، ) والتعويض (جبر الضرر، الصّفح)  من منظور الفقهاء والمجموعات الاجتماعية  والحقوقيين.

يتشكل العمل المنهجي من شقين متكاملين: أولا: التحليل الإثنوجرافي للنصوص القانونية والخطابات المصاغة حول قوانين العقوبات (بما فيها النوازل الفقهية، التقارير الحقوقية المحلية، …..) من أجل تكوين معرفة سياقية من «الداخل» حول الاختلافات والتقاطعات كما هي متجسدة في القوانين والتمثلات والممارسات في أشكالها المختلفة. بينما، سيركز الشق الثاني على العمل الميداني انطلاقا من إنجاز مقابلات معمقة مع المجموعات الاجتماعية والفئات المعنية بموضوع الدراسة.

 

مدير المشروع: عبد الحميد فائز.

عبد الحميد فائز أستاذ باحث في الأنثروبولوجيا في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة ابن طفيل، المغرب. حصل على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة محمد الخامس في الرباط؛ وعلى زمالة ما بعد الدكتوراه من المجلس العربي للعلوم الاجتماعية عن مشروع بعنوان: مأسسة العنف وأنماط إنتاجه وتدبيره بالغرب الصحراوي بين الماضي والراهن. عمل بعد إنهائه الزمالة كباحث رئيسي في مركز بحثي متخصص في دراسات وأبحاث السلام منسقًا ومسؤولًا عن وحدة دراسات السلام. تتركز أهم أبحاثه حول أنثروبولوجيا العنف والحرب، القبيلة والقبليّة في المجتمعات المعاصرة، أبحاث السلام والصراع. صدرت له العديد من الأوراق والأبحاث المحكّمة، وشارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الوطنية والدولية. من المؤلفات التي نشرها: الحرب في المجتمعات الرعوية (مركز الدراسات الصحراوية 2015). بيير بونت أنثروبولوجيا مجتمعات غرب الصحراء (تنسيق بالاشتراك مع د. أناس بن الشيخ.) الغرب الصحراوي: المسار الأنثروبولوجي لبيير بونت (بالفرنسية: تنسيق بالاشتراك مع د. أناس بن الشيخ). آخر أعماله المحكمة: «كرامة الولي ولعنته: «التازُوبَّا» وقداسة العنف» ، مجلة إنسانيّات، العدد، 95، يناير/مارس، 2022.

الأنثروبولوجيا التطبيقية: في الحاجة إلى حلول عملية ومستدامة

 سننطلق في هذا المقال من نكتتين يرويهما جيريمي ماكنينسي (Jeremy MacClancy) في دراسته عن صورة الأنثروبولوجي في الأدب والسينما ووسائل الاتصال الحديثة:

« في أكتوبر من عام 2000من برنامج من يريد أن يكون مليونيرا؟ على
التلفزيون البريطاني. السؤال المتعلق بقيمة 75000جنيه إسترليني هو
كالآتي:  «ما الذي يدرسه عالم الأنثروبولوجيا؟» إحدى الإجابات الأربع
كانت هي: »الإنسان«، لكن المتسابق يخطئ »

« في مارس من 2002يسأل مذيع في البي بي سي الناس عن صورتهم
عن علماء الأن الأنثروبولوجيا كانت إجاباتهم: « من الصعب إرضاؤه،
جدلي، ينتقد بشدة سلـــوك الآخرين، رجـــال ملتحــون، ذوو شعر طويل »

« أناس جادون لكن في بعض الأحيــان منفصلــون عن الواقع قلـــيلا »

(MacClancy, 549).