
إن مقاربة سيرورة تشكيل الوعي السياسي للأفراد عن طريق وسائل الاتصال، تقتضي منهجيا تحليل العلاقة بين حقلين تجمعهما روابط متعددة ومتنامية، وهما حقلي السياسة والإعلام، بالإضافة إلى تداخل تخصصاتهما، بحيث يكاد حقل الاتصال والإعلام أن يصبح مكونا من ضمن مكونات السياق السياسي. لأن حدود الاتصال غير محددة، ولأن هذا الأخير يمتح من حقول أخرى أو علوم جد متنوعة، من قبيل السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا كمواقع تحليل متعددة، يتوجب على الباحث(ة) إقحامها في تساؤلاته وهو يواجه قضايا تخترقها تيارات منهجية تصل إلى تعدد التخصصات. في هذا الإطار، تأتي عملية “تشكيل الوعي السياسي” عن طريق الاتصال والإعلام كجزء لا يتجزأ من هذه العلاقة وتشعباتها، والذي يتطلب تفكيكها من خلال ملاحظة التواجد الفعلي للوسيلة الإعلامية في الساحة السياسية، ومدى قدرتها للوصول إلى أكبر عدد من الأفراد، وكذا مدى اعتماد هؤلاء الأفراد على تلك الوسيلة الإعلامية لاستقاء معلوماتهم السياسية من جهة. ومن تم حجم الثقة التي يحملونها حيال تلك الوسيلة، ومدى ملاءمة الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية لخلق مناخ يساهم في إذكاء وعي سياسي من جهة أخرى، لأن وسائل الإعلام لا تشتغل بمعزل عن باقي مكونات المجتمع، بل هي جزء من النسق أو البنية الشمولية للدولة كما تصفها ” السوسيولوجية الوظيفية”، وبالتالي هي دائما بحاجة إلى تظافر الجهود لتأدية وظائفها داخل المجتمع.
تشير مجموعة من الدراسات، على سبيل المثال، الأطروحات التي قدمها كل من السوسيولوجيين (Kurt Lang& Gladys Lang) على أن هناك ترابط بين شبكات الأخبار وتوسع العزوف عن المشاركة السياسة، وكذلك يؤكدان على أن تغطية الأحداث يمكن أن تزيد من حدة العناصر المتضاربة للعملية السياسية والتي تغذي بدورها السخرية العامة لدى الأفراد… فبناء على هذا المعطى النظري المقتضب؛ ينطلق هذا المشروع البحثي من مجموعة من الملاحظات السوسيولوجية “القبلية” للأدوار التي سبق و أدتها وسائل الاتصال الحديثة في عملية إذكاء وعي الأفراد وتوسيع آفاقهم اتجاه تحولات الوضع السياسي في المغرب، وذلك في محطات مهمة من تاريخ المغرب لعل آخرها ( انتخابات 2021، وقبلها الديناميات الاحتجاجية التي شهدها المغرب منذ بداية سنة 2011 وصولا إلى التعبيرات الاحتجاجية الرقمية التي تعتمد على الهاشتاغ…إلخ)، خاصة في ظل ظهور فاعلين جدد ” كالصحافي المواطن” و تشكل فضاء عام أرحب ألا وهو ” الشبكة الإلكترونية” التي شكلت مصادر لإذكاء ” وعي سياسي” للأفراد بمختلف خصائصهم السوسيو-ديمغرافية من خلال تدفق الأفكار ووجهات النظر، إضافة إلى حرية الاستخدام والتي استفاد منها خاصة الشباب للتعبير عن احتياجاته، والتي حولته إلى قوة ناشطة في مجالات عديدة أهمها الحقل السياسي.
ارتباطا بهذا الرصد، سيعتمد هذا المشروع البحثي على مقاربة كيفية تسعى إلى فهم الفعل الاتصالي، وذلك ليس اعتمادا على التصورات الجاهزة، بل انطلاقا من البحث عن التمثلات، والمواقف، التي يمنحها الأفراد لهذه الأفعال الإعلامية، وعن الآليات التي طورتها هذه الوسائل الحديثة للمساهمة في تشكيل وعيهم السياسي، أي الكشف عن تلك الحالة التي يتمثل فيها الأفراد قضايا الحياة السياسية بأبعادها المختلفة، ويتخذون منها موقفا معرفيا ووجدانيا في آن واحد. وكذلك محاولة قياس مستويات تفاعل الأفراد وقراءتهم واستيعابهم لكل ما تقدمه هذه الوسائل من معلومات وتحليلات سياسية، لا على المستوى الوطني أو الدولي، وكيف تساهم أو لا في تشكيل قيمهم، اتجاهاتهم ومبادئهم السياسية اتجاه القضايا الراهنة وخلفياتها ومحدداتها، وهل عملية تشكيل الوعي هاته، تدفع الفرد إلى المشاركة الفعالة في أوضاع مجتمعه وتحديد موقفه منها، وصولا إلى التحرك قصد تغييرها أو تطويرها.
مديرة المشروع: خديجة براضي.
خديجة براضي حاصلة على الدكتورة في علم الاجتماع. أستاذة باحثة في سوسيولوجيا الاتصال والإعلام بكلية اللغات والآداب والفنون بالقنيطرة. نشرت مجموعة من المقالات حول قضايا الاتصال السمعي البصري والحركات الاجتماعية في المغرب، انطلاقا من مقاربة سوسيولوجية. بالموازاة، اشتغلت على مشاريع وبحوث ميدانية، ودراسات سوسيولوجية وأنتروبولوجية مع مؤسسات متعددة. بالإضافة إلى خبرتها في مجال البحث الأكاديمي، عملت الباحثة في مجال الترافع والاستشارة مع منظمات المجتمع المدني الدولية والوطنية، ودرّست في جامعات مختلفة. تشتمل مجالات البحث والتدخل: سوسيولوجيا الإعلام السمعي البصري؛ سوسيولوجيا الاتصال؛ سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية؛ التحولات السوسيو-سياسية؛ النوع الاجتماعي؛ حقوق الإنسان؛ مناهج البحث الكمي والكيفي؛ تدبير المشاريع والتنشيط الثقافي.
6 Comments