
تشكل مسألة التربية والتعليم قضية مصيرية بالنسبة لكل بلد؛ فأنْ تفكر وتبحث في التربية والتعليم معناه أنْ تضع مخططات مستقبلية للأجيال القادمة، وأنْ تؤسّس لتصورات شمولية تَرْهن مصير المجتمع بأكمله. وهذا النوع من الوعي الذي الذي سبق وعبّر عنه نظريا، وفي وقت مبكر، عدد من علماء الاجتماع كما هو الحال مع إيميل دوركايم وجون كلود باسرون وماكس فيبر وغيرهم، هو نفسه الذي يترجمه اليوم المنشغلون بقضايا المجتمع أو المشتغلون عليها، على اختلاف مواقعهم، سواء كانوا من السَّاسة، وصانعي القرار، أو كانوا من الباحثين الأكاديميين والخبراء والمنظّرِين. ولئن كانت اللّجنة المسؤولة عن صياغة النموذج التنموي الجديد بالمغرب قد جمعت بين هؤلاء الأطراف ضمن فريقٍ واحد لأجل التفكير والبحث في واقع المجتمع المغربي وتشخيص مشكلاته واقتراح رؤية أو تصور شمولي يسمح بمعالجة تلك المشكلات في أفق بناء مستقبل أفضل للبلاد؛ فإنها في تقريرها انتهت إلى التأكيد على الفكرة المشار إليها أعلاه. إذ أنّ الخيار الأول الذي يطرحه النموذج التنموي الجديد لأجل تفعيل رؤيته الإصلاحية المنشودة هو إصلاح منظومة التربية والتكوين، والتي يضعها كأولوية الأولويات. ويشكل الارتقاء بمهنة المدرس واحدا من بين الإجراءات التي يقترحها لتحقيق ذلك؛ وهو الأمر الذي سبق وشدَّدَت عليه الروية الاستراتيجية 2015-2030 التي أكدت بدورها على أنّ تجديــد مهــن التدريــس والتكويــن هو أسـبقية أُولى لأجل الرّفـع مـن الجـودة داخل المنظومة التعليمية.
إنّ الأسئلة التي تُطرح في هذا السياق هي: إذا كان الفاعل التربوي يشكل الحلقة المفصلية داخل المنظومة التربوية باعتباره المسؤول المباشر عن أجرأة الرؤى الإصلاحية التي تصوغها الوزارة الوصية على قطاع التربية والتعليم، فكيف يُقيّم ذلك الفاعل التربوي السياسة التعليمية بالمغرب، وكيف يتمثل سؤال الإصلاح؟ وإنْ كان تقيّيمه لكليْهما قد يتّخذ منحى سلبيا يعكس نوعا من عدم الرضى، فما هي البدائل التي يقترحها في هذا الإطار لأجل بناء خطة إصلاحية تتلاءم وخصوصية المنظومة التعليمية بالمغرب وطبيعة الإشكالات والإكراهات التي تكشف عنها؟
يستهدف هذا المشروع مقاربة سؤال إصلاح المنظومة التعليمية-التربوية المغربية من وجهة نظر الفاعلين التربويين ومن منظور خبراتهم وتجاربهم المهنية. ذلك أنّ استقراءنا للواقع الإمبريقي من خلال الملاحظة بالمشاركة الممتدة زمنيا، والقائمة على الانغماس في الوسط المهني، جعلتنا نعاين باستمرار حجم الانتقادات التي يوجهها أطر هيئة التدريس والتكوين لمختلف البرامج الإصلاحية التي همّت المنظومة التعليمية بالمغرب منذ بداية العقد الأول من هذا القرن، أيْ مع بداية الإنخراط في أجرأة المحاور الكبرى لميثاق التربية والتكوين. لذا فإنّنا نتوخّى من هذا المشروع الانفتاح على تلك التجارب والمسارات المهنية قصد معرفة الكيفية التي يشخّص بها الفاعلون التربويون واقعهم المهني داخل المؤسسات التعليمية، سواء من خلال تقييمهم لنوعية المشاريع الإصلاحية التي تبنّتهها الوزارة لحد الآن بهذا الخصوص، ومدى ملاءمتها للواقع التعليمي المغربي، وكذا المناهج والبرامح الدراسية التي توظَّف كأدوات لأجل أجرأة السياسات التعليمية، والطرائق والاستراتيجيات المستخدمة لأجل تصريف مدْخلات النظام التعلمي؛ وطبيعة العلاقة القائمة أو المفترضَة بين المؤسسة التعليمية وباقي المؤسسات الاجتماعية الأخرى التي تتدخل في العملية التربوية في بعدها الشمولي، وعلى رأسها الأسرة، هذا بالإضافة إلى القنوات الحديثة التي أصبحت تشكل وسائط جديدة تتدخل في سيرورة التربية والتعليم والمتمثلة في التكنولوجيا الرقمية بمختلف منصّاتها الإلكترونية والمحتويات التي تمرّرها والتي تشكل موضوع استهلاك من طرف المنخرطين في شبكات الإنترنيت، سواء عبر اعتمادها كوسائط في التدريس وهو ما يطرح سؤال الفعالية والجدوى، أو عبر التأمل في دورها كوسيط متدخل في الفعل التربوي وهو ما يطرح سؤال التحولات القيمية داخل المجتمع.
يقوم هذا المشروع البحثي على تبني مقاربة منهجية متعددة المداخل على مستوى المناهج والتقنيات الموظّفة، وذلك عبر استثمار المعطيات التي يكشف عنها الواقع التجريبي-المادي، ثم المعطيات الرقمية التي التي تتيحها الأرشيفات المفتوحة داخل المنصات الإلكترونية العمومية، وذلك تبعا لنوعية الأسئلة الإشكالية التي يطرحها الموضوع، والمداخل الممكنة لمعالجته.
مديرة المشروع:
قاوقو محجوبة: أستاذة باحثة في علم الاجتماع بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين-القنيطرة، وباحثة زميلة بالمجلس العربي للعلوم الاجتماعية (برنامج الزملاء الناشئين- 2021-2022). حاصلة على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة محمد الخامس بالرباط، وعلى شهادة التبريز في الفلسفة من المدرسة العليا للأساتذة- جامعة مولاي اسماعيل بمكناس. تتركز اهتماماتها البحثية بشكل أساس حول سوسيولوجيا الأديان والتعبيرات الدينية الرقمية وسوسيولوجيا شبكات التواصل الاجتماعي، كما تشتغل على عدة قضايا أخرى من قبيل: الإسلام السياسي، التطرف، مناهج البحث الرقمية، الجندر، وقضايا التربية والتعليم. نشرت عدة مقالات علمية محكمة بهذا الشأن، تتناول عددا من الموضوعات والإشكالات الإبستمولوجية والمنهجية المرتبطة بسوسيولوجيا الفضاء الرقمي وسوسيولوجيا الأديان. كما شاركت في عدة مشاريع، منجزة من طرف وازرة التربية الوطنية وجامعة الأخوين والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID، ارتباطا بمجال التربية والتكوين والرقميات.
6 Comments