
تمثل «التقنينات التقليدية» جزءًا أساسيا من التشريعات الجنائية وقوانين العقوبات في عدد من البلدان المغاربية بشمال إفريقيا. في موريتانيا، ميدان هذه الدراسة، تتجسد جرائم الشرف وعقوباته، والممارسات المرتبطة بتعويضات الدّم (الديّة كآلية تنتمي للعرف والدين في الوقت ذاته) وتطبيقات العقوبات الجنائية المستمدة من الفقه الإسلامي المالكي (حيث، يقسم قانون العقوبات الصادر بتاريخ 9 تموز/يوليو 1983 الممارسات الجنائية إلى: 1) جرائم التعزير. 2) جرائم الحدود. 3) جرائم القصاص)، بمثابة انعكاس للتعقيدات الاجتماعية والرمزية والقانونية المرتبطة بدراسة موقع التنوع المعياري (أي التداخلات والتقاطعات بين معايير القانون المدني، التقاليد المحلية، والتشريع الفقهي) ومساءلة استمرار ديمومة «الممارسات التقليدية» في التشريع الجنائي المعاصر، وأيضا التحولات التي تشهدها التشريعات والممارسات المرتبطة به في موريتانيا.
تناولت الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا المعاصرة هذه القضايا الملحة ضمن حيز واسع من المجالات البحثية ضمن مفاهيم العدالة والمصالحة والعقاب في سياق المقارنة بين التشريعات القانونية المحلية والقوانين المعيارية، وتحليل سياسات المصالحة الوطنية والتعويض عن الأضرار في بلدان ما بعد الصراع أو الأزمات، وأيضا في تحليل الأساليب التقليدية المحلية أو الهجينة لبناء السلام وتسوية النزاعات وإدارتها في المجتمعات التي شهدت صراعات عنيفة.
نحاول في هذا المشروع البحثي أن نسلك مسلكا مغايرا إلى حد ما. حيث، نحاول وضع الخطابات إزاء القوانين وتطبيقاتها، في مركز التحليل الأنثروبولوجي بوصفها مفتاحا لفهم الديناميات الاجتماعية المعاصرة في موريتانيا، وليس التوقف ضمن حدود التطبيقات العملية لقوانين العقوبات. تقع هذه المناقشات في قلب المشهد السياسي والاجتماعي، حيث تطرح التشريعات الجنائية مناقشات تتعدى الإطار «القانوني والتشريعي» (حول مدى مشروعية «إدماج» أو «استبعاد» التقاليد المحلية والتشريعات الفقهية ضمن القوانين الجنائية والممارسات التشريعية في هذه البلد) نحو إعادة التفكير بصورة مستمرة ودائمة في الصلات المرجعية التي تشكل الهويّة المشتركة للمجتمع.
سننطلق في هذه الدراسة الميدانية من خلال تحليل إثنوغرافي للاستعمالات الرمزية والاجتماعية للمفاهيم المحلية بغرض فهم جذور المعرفة المحليّة المتعلقة بموضوع دراستنا؛ وكيفية اشتغال مفاهيم العدالة والجريمة والعقاب على مستوى الخطاب والممارسة المحليتين. وفي الوقت ذاته، ومن خلال دراسة حالات محددة ستتوقف الدراسة على فهم المعاني والتفاعلات الانعكاسية المتعلقة بالإنصاف والعدالة والعقاب من جهة؛ والتعويض والمصالحة والصفح من جهة أخرى. تتجلى هذه الأهمية في فهم الاستراتيجيات العملية المتكيفة والدينامية التي تتبناها المؤسسات المحلية والفاعلون (الفقهاء، المجموعات الاجتماعية، الدولة) للتفاعل مع التحولات المعاصرة. هذه التفاعلات لا تنفي تبني استراتيجيات متباينة وتعبئة مختلفة للمواقف بحسب الظروف المتغيرة. وبمعنى آخر، سيعمل المشروع بدرجة ثانية على تحليل وتأويل خلفيات تباين هذه الاستراتيجيات وتداخلها على مستوى الخطاب والتمثلات والممارسة بين العدالة والعقاب (عقوبات الشّرف، «الرّدة»، الثأر القبلي، الحدود، العقوبات المدنيّة… ) والتعويض (جبر الضرر، الصّفح، الديّة، ) والوساطة والمصالحة، من منظور المجموعات الاجتماعية (القبائل، الفئات الاجتماعية) والدولة والفقهاء.
تركز هذه الدراسة على أسئلة جوهرية من قبيل: كيف تتجسد مفاهيم العدالة والإنصاف والتعويض والعقاب في التشريع الجنائي الموريتاني؛ وفي الطريقة التي يُدرك ويصوغ بها «القبليّون» و «النخب السياسية» والفاعلون المدنيون المحليون خطاباتهم؟ كيف تُفاوض التنظيمات السياسية عن «إدماج» أو «استبعاد» التقاليد المحليّة ضمن التشريعات والممارسات القضائية؟ وما هي الاستراتيجيات التي يتبناها «الرجال القبليون» و«الفاعلون الدينيون» والمؤسسات الرسمية إزاء التشريعات الجنائية المتعلقة بالعنف والجريمة؟ كيف تتجلى، على مستوى الخطاب والتمثلات والممارسة، الروابط بين العدالة القبلية والعقاب (عقوبات الشّرف، «الرّدة»، الديّة، الثأر، الحدود، العقوبات المدنيّة، ) والتعويض (جبر الضرر، الصّفح) من منظور الفقهاء والمجموعات الاجتماعية والحقوقيين.
يتشكل العمل المنهجي من شقين متكاملين: أولا: التحليل الإثنوجرافي للنصوص القانونية والخطابات المصاغة حول قوانين العقوبات (بما فيها النوازل الفقهية، التقارير الحقوقية المحلية، …..) من أجل تكوين معرفة سياقية من «الداخل» حول الاختلافات والتقاطعات كما هي متجسدة في القوانين والتمثلات والممارسات في أشكالها المختلفة. بينما، سيركز الشق الثاني على العمل الميداني انطلاقا من إنجاز مقابلات معمقة مع المجموعات الاجتماعية والفئات المعنية بموضوع الدراسة.
مدير المشروع: عبد الحميد فائز.
عبد الحميد فائز أستاذ باحث في الأنثروبولوجيا في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة ابن طفيل، المغرب. حصل على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة محمد الخامس في الرباط؛ وعلى زمالة ما بعد الدكتوراه من المجلس العربي للعلوم الاجتماعية عن مشروع بعنوان: مأسسة العنف وأنماط إنتاجه وتدبيره بالغرب الصحراوي بين الماضي والراهن. عمل بعد إنهائه الزمالة كباحث رئيسي في مركز بحثي متخصص في دراسات وأبحاث السلام منسقًا ومسؤولًا عن وحدة دراسات السلام. تتركز أهم أبحاثه حول أنثروبولوجيا العنف والحرب، القبيلة والقبليّة في المجتمعات المعاصرة، أبحاث السلام والصراع. صدرت له العديد من الأوراق والأبحاث المحكّمة، وشارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الوطنية والدولية. من المؤلفات التي نشرها: الحرب في المجتمعات الرعوية (مركز الدراسات الصحراوية 2015). بيير بونت أنثروبولوجيا مجتمعات غرب الصحراء (تنسيق بالاشتراك مع د. أناس بن الشيخ.) الغرب الصحراوي: المسار الأنثروبولوجي لبيير بونت (بالفرنسية: تنسيق بالاشتراك مع د. أناس بن الشيخ). آخر أعماله المحكمة: «كرامة الولي ولعنته: «التازُوبَّا» وقداسة العنف» ، مجلة إنسانيّات، العدد، 95، يناير/مارس، 2022.
5 Comments