The Details
عنوان المشروع:
التجارب المعيشية والحركية الاجتماعية لدى المهاجرين:
استراتيجيات التفاوض اليومي مع أشكال عدم المساواة لدى المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء بالمغرب.
مدير المشروع: أناس ابن الشيخ
يهتم هذا المشروع البحثي بمسألة المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء في سياق المجتمع المغربي. باعتبارها ظاهرة اجتماعية تعرف ديناميات مركبة نتيجة لتواتر منسوب الهجرة إلى المغرب لاسيما من أفريقيا جنوب وغرب الصحراء. ونهتم بصورة خاصة بالمهاجرين «في وضعية غير نظامية» بمدينة وجدة تحديدا. تجسد التجارب المعيشية والحركية الاجتماعية والمهنية وعدم المساواة (السكن والإقامة، العمل، الرعاية الصحية….) والشبكات الاجتماعية، عوامل حاسمة في تشكيل تجارب هؤلاء المهاجرين وخطاباتهم.
سننطلق أساسا من محاولة فهم أهمية الشبكات الاجتماعية (العلاقات الاجتماعية، علاقات الجوار، شبكات التضامن…) في تدبير التجارب الجماعية المشتركة والاستراتيجيات الفردية للهجرة، بدءا من مرحلة اتخاذ قرار الهجرة، مرورا برحلة العبور وصولا إلى استراتيجيات تدبير المعيش اليومي والوصول للفرص والموارد في مجتمع الإقامة أو العبور (نحرص على توظيف عبارة المؤقت والدائم نظرا لمجموعة من الاعتبارات التي ترتبط أساسا بقرارات المهاجرين بشكل عام، فهناك من يعتبر تواجده في المغرب مجرد حالة مؤقتة؛ وبالتالي تعتبر المغرب بلدا للعبور إلى الضفة الأخرى أي أوربا، بينما بالبعض الآخر اتخذت من هذا الأخير بلدا للاستقرار الدائم من خلال تبني مجموعة من الاستراتيجيات (محاولة الحصول على بطاقة الإقامة وتدبير السكن والعمل وقرار الإنجاب….).
يقودنا هذا التحليل إلى محاولة فهم هذه العناصر التحليلية من خلال مدخل إثنوغرافي متجسد في تحليل تجارب المعيش في مجتمعات الإقامة أو العبور. حيث تمثل تجارب المعيش، وخطاباته لدى هؤلاء المهاجرين مرآة إثنوغرافية كثيفة لفهم مدى إسهام العلاقات القرابية والشبكات الاجتماعية في تفاوض المهاجرين مع واقع المعيش اليومي واستراتيجيات مقاومة عدم المساواة والتدرج الاجتماعي والمهني. فهل تمثل أشكال التضامنات الجماعية بين المهاجرين شكلا عابرا للأمم والأوطان بصرف النظر عن انتماءاتهم الوطنية أو الدينية أو الإثنية؟ وهل تندرج هذه العلاقات في إطار شكل من الانكفاء التضامني المنبثق عن وضعيتهم كمهاجرين يمثلون شريحة وفئة هامشية في البلد المضيف؟ ومن جهة ثانية، ومن منظور أكثر تركيزا، كيف ينسج المهاجرون تجاربم الخاصة؟ وما هي أشكال التضامنات التي يقيمها المهاجرون في سياق هذه التجارب؟. ومن جهة ثالثة، كيف تتأثر تجارب المعيش بوسوم الوصم والعنصرية؟
وبالنتيجة، فإن اختبار أهمية القرابة والشبكات الاجتماعية يرتبط بعناصر كثيرة من بينها: أولا: علاقة المهاجرين فيما بينهم وأشكال التضامنات البينية، إننا نعيد التساؤل حول محدودية ما يمكن اعتباره ب «إنتاج الغيتو والهويات المغلقة». بيد أننا نختار زاوية تحليلية أكثر ديناميّة لفهم إواليات هذه التوترات بين القرابي والاجتماعي خارج الثنائيات الجامدة. وثانيا: من خلال تحليل علاقة المهاجرين بمجتمعات الانتماء والتقاليد المحلية (البلدان الأصلية) واختبار مكانة هذه الروابط، لاسيما مؤسسة العائلة والقرابات المفترضة في إعادة إنتاج تجاربهن الخاصة في المجتمع المغربي. ببنما نهتم في مستوى ثالث بعلاقة المهاجرين بمجتمعات المقصد (حالة المجتمع المغربي) من حيث تدبير المعيش في هذه المجتمعات ومواجهة التحديات اليومية من قبيل: صعوبات الحصول على عمل، وامتداد فترات العطالة في تعزيز «بؤس الهشاشة» لدى الهاجرين ، والدفع بهم إلى اختلاق بيئات للاندماج والتفاوض مع الواقع المعيشي اليومي، فضلا عن الإكراهات المرتبطة بالحصول على السكن وبناء العلاقات اليومية (الترفيه، والتسوق…).
بيد أننا سنخلص من خلال العمل الميداني والتوصيات المرتبطة بنتائج الدراسة إلى وضع إطار مفاهيمي تدخلي لسياسات الهجرة. وبعبارة أخرى، نعمل على فهم التقاطعات بين الهشاشة والحركية الاجتماعية والشبكات الاجتماعية من أجل توجيه السياسات وإنتاج قرارات مستنيرة، بما يعني ذلك، الانطلاق من تجارب ومنظورات المهاجرين لفهم أكثر دقة لهذه التقاطعات انطلاقا من تجارب المهاجرين أنفسهم. أي محاولة فهم العوامل الأساسية التي تحد من الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية اللازمة وفرص العمل لدى المهاجرين وبناء سياسات شمولية ومستدامة خارج الإطار التكنو اقتصادي المختزل.
يستند تصورنا المنهجي على مقاربة سوسيوأنثروبولوجية، تعالج ظاهرة الهجرة من أفريقيا جنوب الصحراء من زاوية اثنوغرافية سردية، إننا نعتمد بدرجة أولى على الملاحظة الاستكشافية باعتبارها تقنية أساسية في النفاذ إلى مجتمع البحث والوقوف عند عناصره وما يضمره الفاعلون من ممارسات غير معلنة، إضافة إلى المقابلة المعمقة (Srivastava, (2012: 54 (depth interview) وما تقدمه المرويات الشفهية (الذاكرة) من معطيات غنية حول تجربة الهجرة ورهانات المهاجرين. ونهتم بصورة خاصة بتحليل أشكال عدم المساواة التي تعرفها هذه الفئة في علاقتها المباشرة مع مجتمعات المنشأ والعبور والمقصد سواء من حيث بناء تصورات خاصة حولها أو من حيث إنتاج علاقات اجتماعية ومهنية مع أفراد هذه المجتمعات، أو ما يخص تفاعلاتهن البينية أي بين المهاجرين أنفسهم في وضعية مماثلة (وضعية غير نظامية) وما تجسده هذه التفاعلات من أشكال التضامن الاجتماعي أو اللاتضامن اجتماعي، مما يعني أن هذا المشروع البحثي يلتقي بصورة جزئية مع مجموعة من الأعمال الأنثروبولوجية التي تتخذ نفسا تاريخيا واثنوغرافيا في تحليل هذه المسارات المترابطة، وهو ما سيمكننا من الاستفادة من التداخلات الحقلية بين السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والتاريخ.
كل ذلك عبر رؤية داخلية ((emic، تعتمد على سرديات المعيش لما يخبره ويتفاوض به المهاجرون في معيشهم اليومي أو ما يتعلق بالدوافع الهجرية أو كما تسميها كاتي غاردنر (Gardner Katy) مشاريع السعادة (Happiness projects). فالمرويات الشفهية، بالاستناد إلى الذاكرة الشخصية والجماعية، قد تساعدنا على فهم ما يطبع هذه التجارب المعيشة من أشكال عدم المساواة والنفاذ إلى استراتيجيات التفاوض مع اليومي. مما يعني أننا نستند بصورة أساسية إلى الميدان للوقوف عند الدلالات التي يعطيها الفاعلون لوضعياتهم، باختلاف مستوياتها وأشكالها، ومحاولة تأويل تلك الأفعال ارتباطا بسياقات إنتاجها.
أناس بن الشيخ: أستاذ باحث في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الأول وجدة، المغرب. حاصل على الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة محمد الخامس بالرباط. عضو مختبر استراتيجيات صناعة الثقافة والاتصال والبحث السوسيولوجي بجامعة محمد الأول وجدة، وعضو مجلس الباحثين الشباب العرب التابع لمركز الشباب العربي أبو ظبي. عضو في العديد من هيئات التحرير والتحكيم في مجلات العلمية المحكمة، ومستشار أكاديمي لدى مجموعة من المؤسسات الأكاديمية، أجرى ونسق وساهم فــي العديــد مــن الدراســات الميدانية والمشــاريع البحثيــة فــي مجــال العلــوم الإنسانية والاجتماعيــة من بينها مشروع: هشاشة المعيش والصحة لدى النساء المهاجرات من إفريقيا جنوب الصحراء بالمغرب، ممول من طرف المجلس العربي للعلوم الاجتماعية ببيروت، تدخل ضمن اهتماماته البحثية موضوعات الهجرة والشباب وأنثروبولوجيا القرابة والعائلة. نشرت له العديد من المؤلفات والدراسات والأوراق البحثية في دوريات علمية محكمة. من بينها: بيير بونت أنثروبولوجيا مجتمعات غرب الصحراء (تنسيق بالاشتراك مع د. عبد الحميد فائز.) الغرب الصحراوي: المسار الأنثروبولوجي لبيير بونت (بالفرنسية: تنسيق بالاشتراك مع د. عبد الحميد فائز).
